البحرين: صراع “مستقر” لن يصنع حلاً

1270121233

عادل مرزوق

تبدو قليلةٌ هي التوافقات بين السلطة وقوى المعارضة في البحرين. وبطبيعة الحال، لا تبدو هذه التوافقات ظاهرة للعيان، فضلاً عن أن تكون موضوعا قابلاً ومحفزاً على النقاش أو التداول، نخبوياً أو شعبياً.
التوافق يعني الشراكة، والحديث عن توافقات (مفترضة) بين السلطة والمعارضة يحيلنا بالضرورة إلى الإقرار بأن ثمة شراكة حقيقية قائمة بين الطرفين، وفاعلة. وأن أحداً منهما لم يتخلى – بصفة نهائية – عن الآخر. بمعنى، أن صيغة (ما) تتحكم، وتدير، وتحدد ماهية هذه العلاقة، تفاصيلها، يومياتها، حدودها. وهي أيضاً، الصيغة التي بالإمكان أن يمرر منها – اليوم أو غدا – مستقبلُ العلاقة بين الطرفين.
ما يؤكده خطاب قوى المعارضة اليوم هو أن (القطيعة) هي التوصيف الدقيق لواقع علاقتها مع السلطة، خصوصاً مع إعلان المعارضة العزوف عن المشاركة في الإنتخابات النيابية المقررة أواخر نوفمبر الجاري. وكذلك هي السلطة، تؤكد هذه القطيعة مع المعارضة، تتبناها، وتروج لها لدى شارع الموالاة في خطابها السياسي، وفي قنواتها الإعلامية كافة.
لكن، ما الذي قد يجعلنا مهتمين بمناقشة ما أسميته بـ (التوافقات والإتفاقات) بين المعارضة والسلطة، أو الإنشغال بتفاصيلها، ودلالاتها. خصوصاً ما إذا تمت مقارنة هذه التفاهمات والتوافقات (التي تبدو قليلة ومحدودة) وتفاصيل الصراع الدائر على الأرض. فالعملية السياسية كما يعتبرها عديدون (معطلة). وسجل الإنتهاكات، وعسكرة الدولة، واستهداف المعارضين ثقيل بما يكفي.
هذه المشاهدة الكارثية لما يحدث في البحرين لها دلائل قارة وملموسة. وهي النتيجة التي قد ينتهي عندها أي مراقب للأحداث. ورغم ذلك، تشكك في هذه (الكارثية) السياسية سلسلة من المشاهدات المقارنة التي تنبهت لها في معرض البحث عن إجابة لسؤال يبدو غير ذي صلة مباشرة، وهو: ما الذي يمنع السلطة والمعارضة في البحرين فعلاً عن الوصول إلى تسوية سياسية شاملة؟
من أهم النتائج التي توصلت لها في هذا البحث هو أن القطيعة القائمة بين السلطة والمعارضة هي قطيعة – في كثير من جوانبها – متخيلة، ومزعومة. وأن من المهم أن لا يهمل أحد ما أسميته بالتفاهمات القائمة بين الطرفين، فهي تفاهمات تُنظِمُ – إجرائياً – منذ أواخر العام 2011 قواعد الإشتباك و(سقوف) الأزمة السياسية ومآلاتها في البلاد، وقبل ذلك، هي تفاهمات تضمن حتى اليوم الإعتراف القائم بشرعية الطرفين، السلطة والمعارضة.
تعترف قوى المعارضة بشرعية السلطة من خلال اعترافها بالأسرة الحاكمة، التزامها بقوانين الدولة، وقبولها العمل تحت مظلة قانون الجمعيات السياسية. قبالة ذلك، تعترف السلطة بشرعية قوى المعارضة من خلال الإبقاء على الجمعيات السياسية، وعدم التعرض لرموزها الدينية والسياسية. ورغم أن هذه التفاهمات قد شهدت (هزات) و(تجاوزات) أكثر من مرة، لكنها سرعان ما أثبتت قوتها، وصلابتها.
هذه التفاهمات تشي بأن لا واقعية في الذهاب إلى توصيف العملية السياسية في البحرين بـ “المُعطَلة”، فـ (الكيمياء) القائمة بين قوى المعارضة والسلطة تحافظ على مساحة العمل السياسي وفق قواعد إشتباك واضحة ومختبرة (لا تقدم للسلطة انتصاراً كاملاً، ولا تمنع المعارضة من القدرة على إبقاء الأزمة). صحيح أن هذه التفاهمات تبدو مشوشة/ هشة لمن يتابع تفاصيل الأحداث بين طرفي الصراع، لكن بقليل من التدقيق، نجد الطرفين حريصين على أن لا يصيب أحدهما الآخر في مقتل!
تغفل مؤسسة الحكم في البحرين تخطي بعض جماعات المعارضة خطوطها الحمراء، خصوصاً تلك التي ترتبط بالأسرة الحاكمة، وتستند في هذا التجاهل إلى أن الجمعيات السياسية (الممثل الأكبر والمعترف به) لا يتبنى مثل هذا الخيار، ولا دلالات على أنه يستثمر فيه سياسياً، أو إعلامياً. والملاحظ اليوم، أن أي خرق لقواعد الإشتباك وسلسة التفاهمات من طرف، يتبعه خرق من الطرف الآخر، يعاكسه في الإتجاه، ويساويه في المقدار.
في الخلاصات، يبدو أن ما لدينا اليوم في البحرين هو صراع أنتج حالة من الإستقرار، صراع محسوب، ممنهج التطورات والتفاعلات، حتى ردود الفعل تبدو ممنهجة. صراع متوافق على فضاءاته وزواياه. لا تملك السلطة إنهاء ازمتها بالإجهاز على المعارضة والقضاء عليها، ولا تجد المعارضة ما يساعدها/يشجعها على المغامرة بخسارة تفاهماتها القائمة والدخول في صراع مفتوح مع السلطة. وعليه، يتخوف كل منهما من المجازفة في كسر هذه التفاهمات التي وهبت الطرفين حالة صراع مستقر، صراع ألِف الطرفان ما نجم وينجم عنه من خسارات.
ما الذي يمنع السلطة والمعارضة في البحرين عن الوصول إلى حل؟، سؤال يطرح بعد فشل كل دورة جديدة من محاولات التسوية التي غالباً ما يكون ولي العهد واجهة السلطة فيها. في الحقيقة، لقد فقدت مفاوضات المعارضة والسلطة بريقها. فالسلطة لا تجد مبرراً لتقديم أي تنازلات حقيقية لصالح المعارضة في ظل صراع تستطيع التعايش معه، والتعامل مع تداعياته. وفي المقابل، لا تبدو المعارضة مهتمة بخفض سقف توقعاتها وطموحاتها، خصوصاً وأنها – أي المعارضة – تدرك أن السلطة عاجزة عن أن تذهب إلى أكثر مما ذهبت إليه، وأن المعارضة التي تجاوزت وحشية السلطة العام 2011 هي قادرة على البقاء والمشاغبة وفق قواعد الإشتباك القائمة اليوم.
ولأن أحداً من الطرفين لا يملك دافعا حقيقيا لإنهاء الأزمة بأي تنازلات موجعة، ولأن الطرفين يبدوان قادرين على إدارة الأزمة وتفاعلاتها، فإن أحداً لم يقدم على طاولة المفاوضات ما يحتاجه الحل السياسي من تنازلات حقيقية. وهكذا، يكون الصراع في البحرين بحالته (المستقرة) صراعاً مريضاً وعاجزاً عن الوصول إلى حل سياسي حقيقي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s