إيران في البحرين: راعية “إنقلاب” أم شريك ذاكرة ومستقبل؟

Image

تمثل آلية الإتهام بـ “الولاء لإيران وولاية الفقيه” أبرز تقنيات الهجوم التي تعتمدها المتحدث الرسمي بإسم حكومة البحرين وزيرة شؤون الإعلام سميرة بنت رجب – وغالبية المدافعين عن الخط الحكومي – أمام شاشات التلفزة، وصفحات الجرائد، داخل البحرين وخارجها. فالمعارضة  البحرينية، كما تريد أن تؤكد بنت رجب، هي ليست أكثر من مشروع إنقلابي، برعاية إيرانية! [i]

ولا تقتصر إدعاءات مؤسسة الحكم في البحرين بوجود تدخل إيراني في البلاد على الأزمة السياسية الراهنة التي تدخل عامها الرابع، فإيران أيضاً، كانت – بحسب السلطة – المتهم الأول في اندلاع الحركة المطلبية في تسعينات القرن الماضي. وما سبق ذلك، من هزات سياسية متتابعة.  

فعلياً، تمثل هذه (الموضوعة) قلقاً مستمراً للبحرين والبحرينيين، خصوصاً بالنسبة للأغلبية الشعبية من الطائفة الشيعية التي كانت قد حسمت خيارها في بعثة تقصي الحقائق الأممية العام 1970، حين أكدت هذه الغالبية – كانت تمثل آنذاك ما لا يقل عن 75% من مجموع السكان – على عروبة البحرين واستقلالها. [ii]

محمود شريف بسيوني الذي ترأس اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق أكد في تقريره الصادر في 23 نوفمبر العام 2011 أن لا دلائل على أي تدخل إيراني في البحرين، وكذلك فعل السفير الأمريكي في المنامة توماس كراجيسكي في شهادة له أمام الكونجرس قبل قدومه إلى البلاد، وكذلك فعلت – وتفعل – قوى المعارضة على إختلاف سقوفها وألوانها. كل ذلك، لم يمنع النظام في تسجيل أفضلية، ولو على صعيد الإقليم، حيث تقف دول مجلس التعاون الخليجي على رواية النظام، وتتبناها.

على الأرض، لا دلائل مادية على أي تدخل إيراني في البحرين ما خلا البرنامج التلفزيوني اليومي في الظهيرة على قناة العالم الإيرانية[iii]، وبعض التصريحات الإعلامية الإستفزازية بين الحكومتين، وبالتأكيد، كون الأغلبية الساحقة في شارع المعارضة البحرينية شيعة!

 1939 المدرسة الإيرانية في البحرين
1939 المدرسة الإيرانية في البحرين
المرحوم حسن بلجيك: أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير
المرحوم حسن بلجيك: أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير

لكن أعتقد أن ثمة رؤية مغايرة لفهم/ التعامل مع “التموضع”  positioning الإيراني في البحرين. وهي رؤية مهملة، رؤية تنظر إلى إيران من زاوية أبعد من أن تكون موضوعة “سياسية” وحسب. وتنطلق هذه الرؤية من عدة أبعاد إجتماعية وثقافية تسندها حقائق تاريخية لا يمكن تجاوزها، أو القفز عليها. وفي الحقيقة: إن جل ما يتهم به النظام المعارضة، هو متورط فيه، وبإمتياز. فـالإيراني أو الفارسي “المحرم” في البحرين لا يرتبط بالأزمة السياسية الراهنة وحسب، بل هي موضوع يتعلق بماهية الدولة، كلها. وإذا كانت المعارضة من تقف اليوم في قفص الإتهام بالعمالة لإيران، فلقد وقعت العائلة الحاكمة إتفاقيات (عمالة) رسمية، بل ورفعت العلم الإيراني على قلعتها في المحرق، غير ذات مرة[iv].

تمثل البحرين رغم الجغرافيا المحدودة، تنوعاً عرقياً وطائفياً فريداً في منطقة الخليج، وأتاحت الهجرات المتتابعة للإيرانيين سواء إبان سيطرة إيران على البحرين (1602 – 1700) (1737 – 1783). أو قبل ذلك، وبعده، في أن يكون تعداد البحرينيين من أصول فارسية [v] استثنائياً. ورغم أن لا إحصائيات دقيقة حول نسبة البحرينيين من أصول فارسية من مجموع مواطني الدولة، إلا أن تعدادهم لا يقل عن 18- 20% على أقل تقدير[vi].

هذه المقالة ليست بصدد رصد المساهمة الحضارية – رغم أهميتها وأهمية دلالاتها السياسية – لهذا المكون الإجتماعي العريض في البحرين، خصوصاً وأن تاريخ هذا المكون تعرض لإهمال “مقصود”، لأسباب سياسية  تارة، ولأسباب اجتماعية تارة أخرى[vii]. لكن يكفي الغوص في تقسيمات هذا المكون وخصائصه الإجتماعية والسياسية والثقافية، ما بين العجم “البيرمية” في المحرق، و”الميناوية” في الماحوز وغيرها من المناطق، و”البوشهرية” و”كازروني” و”حاجي” و”جهرمي” و”بلجيك”[viii] وعائلات كبرى لها تاريخها في مناطق العاصمة المنامة، ومن أبرزها: فريق “مشبر” و”الجامع”، بالإضافة لتعدادها الكبير في “العدلية”  و”جدعلي”، بل وفي منطقة “البحير” بالرفاع الشرقي. إهتمام بسيط بتفاصيل هذه التقسيمات سيكون كافياً لتتأكد بأن العجم – سنة وشيعة – هم جزء أصيل من الدولة.

وفيما لعب ويلعب “العجم” دوراً سياسياً بارزاً في الحركات الوطنية المعارضة، على إختلاف تقسيماتها[ix]. كان العجم (الهولة)[x] جزءاً أساسياً ومحورياً في الدولة منذ نشأتها، ولا يرتبط هذا الإدعاء بطاقم مستشاري ووزراء الملك الحاليين من الأصول الفارسية[xi]، بل وبما يشمل أولئك الذين تقلدوا مناصب حساسة ومهمة في حكومات ومشيخات آباءه وأجداده الذين عمدوا إلى الإعتماد على “الهولة” – فارسيون يعتقدون بالمذهب السني وقدموا من إيران في العشرينيات من القرن الماضي –  في إدارة الدولة ومؤسساتها، وذلك لقربهم الطائفي من العائلة الحاكمة، ولأن لهم تاريخاً عدائياً مع إيران ما بعد ثورة الخميني، بإعتبارها دولة شيعية.

وتدور في هذا التقسيم مفارقات واجبة الذكر، فثمة من العجم (الشيعة)[xii] عائلات وشخصيات تساند النظام الحكام في البحرين، وثمة من العجم (الهولة)[xiii] من يقف في صف المعارضة بل ويتصدر مقاعدها الأولى. وهو ما يؤكد أن هذا المكون الإجتماعي أعمق مما يعتقد البعض.

فعلياً، من سوء حظ قوى المعارضة، أنها تناضل في بيئة اجتماعية وسياسية معقدة، فالحالة (البحرينية) هي نموذج مصغر بالغ التعقيد من فوضى صراعات الإقليم الكبير، جغرافيا سياسية، صراعاً طائفياً، بل مماحكات إجتماعية (قبلية وإثنية) أيضاً. أتذكر هنا حديثاً جانبياً من أحد الزملاء الصحافيين اللبنانيين حين سألني: هل من الصعب فكاك البحرينين الشيعة من الإرتباط الرمزي بإيران؟، فأجبته: هل من السهل فكاك سنة لبنان من الإرتباط الرمزي بالسعودية أو شيعتها من إيران أو مسيحييها من فرنسا، وهل تستطيعون إلغاء المفردات “الفرنسية” من كلماتكم، أو إقتلاع المسميات الفرنسية والتركية عن مدنكم وقراكم وقلاعكم؟!

على أي حال، ليس الهدف هنا تأصيل الوجود “الإيراني” في البحرين على حساب الإرتباط التاريخي والحضاري والإنساني للبحرين بـ (السعودية)[xiv]، فإرتباط البحرين، جغرافيا وحضارة وإنسان بالسعودية وباقي دول الخليج العربية، هو – بكل تأكيد – أعمق، والأهم من ذلك، هو أنه ما يجمع عليه البحرينيون كافة، موالاة ومعارضة. عرباً وعجماً. المهم في هذا السياق بالنسبة لي – على الأقل – هو أننا بحاجة للإقرار بأن إيران جزء اساسي من حياتنا، سياسيا وإجتماعياً وثقافياً، وأن لا تكون إيران حالة “قلق” تراودنا، بل أن نفهمها بإعتبارها جزءاً من تاريخنا ومجتمعنا. وأن ما نطمح له – ربما دون أمل – هو أن ننجو من صراعات الإقليم وكباره – السعودية وإيران – بديمقراطية صغيرة، تناسب مقاساتنا الصغيرة.

 


[i]  قد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن الوزيرة سميرة بنت رجب ترتبط بأصول فارسية من جهة الأم.

[ii]  وثائق بعثة التقصي الأممية مترجمة في إصدار خاص من مركز الدراسات والبحوث في البحرين، ويذكر الإصدار أسماء العائلات البحرينية التي قابلت الممثل الأممي السفير الإيطالي جوشيباري الذي ترأس لجنة التقصي.

[iii]  البرنامج كان أكثر البرامج متابعة في البحرين وكان يقف بوضوح إلى جانب حراك المعارضة، وتم تقليل مدة البرنامج وترشيد خطابه بعد إنتخاب الرئيس الإيراني روحاني.

[iv]  في العام 1859م طلب الشيخ محمد بن خليفة  آل خليفة (جد وزيرة الثقافة الحالية مي بنت محمد ال خليفة) من الإيرانيين الحماية من الدولة العثمانية وقام برفع العلم الإيراني على قلعته.

[v]  أفضل التعبير بالأصول الفارسية عن الأصول الإيرانية، فالنسبة الثانية (إيرانية) ذات دلالات سياسية فقط.

[vi]  قدرت وكالة الإستخبارات الأمريكية نسبة البحرينيين من أصول فارسية اواخر التسعينات بقرابة 15 % وتشير مصادر صحافية إلى ان البدون – المحرومون من الجنسية – من أصول إيرانية آنذاك كانوا قرابة 7 آلاف شخص.

[vii]  تعرض العجم – كشأن باقي الأقليات– لمعاملة إقصائية من لدن الأغلبية (العربية) في البلاد. وهذا بحث كبير يحتاج مراجعة خاصة.

[viii]  ومنهم الحاج حسن بلجيك أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير

[ix]  للعجم دور مهم في بعث الفكر الشيوعي في البحرين، وذلك عبر إمتدادات حزب توده الإيراني. كما يتمركز “الهولة” في التيارات السياسية القومية.

[x]  يؤكد الهولة وبعض الباحثين منهم انهم من أصول عربية، وأن هجرتهم إلى الساحل العربي من الخليج كانت بمثابة العودة لمناطقهم الأصلية التي هجروها إلى إيران سابقاً. لكنه إدعاء ومع القبول به جدلاً، لا يلغي أنهم يحافظون اليوم على طقوسهم وثقافتهم (الفارسية) على أكثر من صعيد.

[xi]  يمسك العجم الشيعة والهولة ب3 وزارات على الأقل، ولهم تمثيل مهم في مجلسي النواب والشورى، وفي أغلبية المناصب القيادية في الدولة

[xii]  منهم وزير النفط عبدالحسين ميرزا ورجال أعمال كبار يحيطون برئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة.

[xiii]  منهم الامين العام لجمعية وعد المعتقل ضمن قضية الرموز السياسية في المعارضة إبراهيم شريف.

[xiv]  قد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن كاتب المقالة يرتبط بأصول سعودية من جهة الأم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s