نهاية الصحافة وموت الصحافيين

22 أغسطس

jour

نهاية “الصحافة” وموت “الصحافيين”

عادل مرزوق

هذه صناعة الإعلام والصحافة، صناعة فريدة تتقدم فيها متغيرات “السوق” على ما يقدمه درسها الجامعي، وعلى ما تتوقعه/ تنتجه معامل الخبرات المتراكمة في المؤسسات الإعلامية العريقة أيضاً.

لم يعد تسابق وتزاحم أدوات هذه (الصنعة) وتأثيراتها في الأحداث مقلقاً لأبناء “الكار” وحسب، بل يشمل اليوم أولئك المنفعلين بالأحداث، من سياسيين وإجتماعيين، وبما يشمل الناس العاديين، أولئك الذين وجدوا أنفسهم – دون مقدمات – صحافيون وإعلاميون يشاركون بفعالية في صناعة الخبر، وما وراء الخبر. وهكذا، تتكدس خسارات الصحافيين الكلاسيكيين كل يوم، وفي كل مكان.

وبقدر ما يتقدم حقل الإعلام والصحافة، ويتضخم، ويتعقد، ويمتد، وتتشابك خيوطه وإرتباطاته، وبقدر ما يزداد تورطه بالحقلين “السياسي” و”الإقتصادي” تصبح إدارته أصعب، ويصبح فهمه وتوجيهه، أكثر تعقيداً. ولأن “الإعلام” كصناعة بات يرتبط ويتقاطع مع “التكنولوجيا” رافدته وحاضنته الرئيسة، بات من الضروري أن نلاحظ/ ندرس/ نفهم هذه الحالة المعقدة من تسارع المراحل والتحولات الجوهرية، بل أن نتنبه إلى تورطنا كصحافيين في تلك القفزات التي يبدو أنها لا تمهلنا الوقت الكافي لفهم طبيعة ما يحدث، ومعناه، فضلاً عن نتائجه.

الجيش الجديد من الصحافيين

أفلت الخبر – الذي هو “بضاعة” الصحافي  و”رأسمال” الصحافة – من “مانشيتات” الصحف الورقية وعناوين النشرات التلفزيونية، ليصبح مشاعاً.  وأفقدت غزارة وآنية ما تقدمه وسائل الإتصال الحديثة ووسائط الإعلام الإجتماعي من معلومات وأخبار ومتابعات أربعة من الأسئلة الخمسة (مَن؟، أين؟، متى؟، كيف؟) بريقها، وأهميتها. ولم تعد (مانشيتات) الصحف الورقية والنشرات التلفزيونية تقدم جديداً، إلا ما ندر.

وأمام هذا الجيش الكبير من (المواطنين الصحافيين) الذي هو بصورة أو أخرى (البديل) المجتمعي (المفترض) لإخفاق الصحافة في أداء أدوارها ومهامها. لم يبق للصحافيين من فضاء للإشتغال سوى الإهتمام بما يمكن إعتباره الإشتغال في (المعنى)، وذلك عبر توضيح سياقات الأخبار والأحداث المتتالية، حيث بقى سؤال “لماذا؟”، السؤال الذي لا تزال الصحافة الأقدر على الإجابة عليه. غير بعيد عن سياقات تموضعها، وتموضع القراء أنفسهم. وهو ما ينطبق بوضوح على المقدمات السياسية للنشرات الإخبارية في القنوات التلفزية اللبنانية، والتي هي بكل وضوح قراءات تحليلية، وشرح لسياقات الأخبار التي سيتم بثها في النشرة[i].

وفيما تبرز الصحافة الإستقصائية كعنصر قوة حقيقي بيد الصحافيين، يعيبها إرتفاع كلفتها التشغيلية. ولأن المؤسسات الإعلامية الكبرى وحدها من تستطيع تمويل مثل هذه التحقيقات الاستقصائية، نسأل ما إذا كان ثمة دافع لتتبنى المؤسسات هذا النوع من الإنتاج، خاصة وأنها تعلم أن غالبية ما ستنتهي له هذه التحقيقات من نتائج لن تتوافق مع مصالحها. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى المجلة  الأمريكية الشهيرة “نيوزويك”، حيث قررت المجلة بعد صعوبات مالية الإستغناء عن طاقم كبير من الصحافيين المعنيين بتغطية الأخبار والقصص الإخبارية، وذلك بهدف التركيز على التقارير والتحقيقات ومقالات الرأي، التي تسلط الضوء على ما وراء الخبر أو سياقاته. ولم تعلن المجلة حتى اليوم، ما إذا كانت هذه السياسة الجديدة قد صححت أوضاعها المالية المتعثرة. والسؤال هنا- وهو سؤال غير بريء- هل ثمة معلن سيرضى برعاية تحقيق استقصائي سياسي يتطلب اشهرا من البحث والتقصي قبالة تقديم رعايته التجارية لبرنامج مسابقات تلفزيوني يشاهده الملايين حول العالم؟!

البحرين وهي نموذج صغير – تسهل دراسته وسبر تفاصيله – عايشت مثل هذا التحدي بوضوح بعد الأحداث التي عصفت بها في 14 فبراير العام 2011.

لا تمتلك الصحافتان الورقية والتفزيونية في البحرين اليوم أي شراكة حقيقية في إدارة الصراع الدائر في هذه البلاد التي تتميز بسهولة الوصول إلى شبكة الإنترنت[ii]. وبعد حملة أمنية قمعية شملت أكثر من 200 إعلامي [iii] بعد إعلان حالة الطوارئ في 15 مارس 2011 إنتقل الخبر – وكامل مشهد الصراع – إلى الفضاء الإلكتروني، في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي. ولم يقتصر هذا الإنتقال على الصحافيين المستقليين وقوى المعارضة وجماعات حقوق الإنسان، بل شمل وزارات الدولة والأجهزة الأمنية أيضاً [iv].

لا يجدر الإهتمام بالنموذج البحريني لصغره وإمكانية دراسة البيئة الحاضنة لهذا التغيير وحسب، لكن أيضاً لفاعليته، حيث يؤكد تقرير فريدوم هاوس للعام 2012 أن “كلمة (البحرين) كانت الأكثر تداولاً في تويتر عبر مستخدميه في الدول العربية جميعاً”. يضاف لذلك، أن غالبية البحرينيين اليوم هم مواطنون نشطون على الإنترنت.

مهنة الترفية والدعاية

في مستوى النتائج وجمع الخلاصات، لا يُنظر اليوم إلى الصحافي بوصفه “المواطن الذي أعطاه المجتمع حصانة أدبية ليتأكد من أن السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، القضائية، وكافة مؤسسات المجتمع المدني تعمل وفق مصالحه وتوقعاته”[v].. لا يمكن النظر إلى الصحافي في هذا السياق لا من ناحية “الدور” المطلوب منه، ولا “التموضع” في الصراعات الدائرة بين مكونات المجتمع. واقع الحال، ان ثمة حالة إرباك وإرتباك تاريخية تعصف بهذه المهنة، وبالمشتغلين فيها.

مما لا شك فيه اليوم أن النموذج الإقتصادي الكلاسيكي لمؤسسات الإعلام والصحافة قد إنهار فعلاً [vi]. ما تبقى، هي نماذج متباينة الهياكل والتركيب من الشمال إلى الجنوب. وعلى الرغم من أن هذه الإشكالية تاريخية في الأساس[vii]، إلا أنها اليوم أكثر وضوحا، وتأثيراً. تارة تكون هذه المؤسسات متورطة بالمال السياسي وأجندة الدول والحكومات الشمولية خصوصا في دول الجنوب، وبصناعة إعلام وصحافة “الترفيه” و”الجوائز المليونية” تارة أخرى. وعليه، تحول الصحافيون  – كنتيجة لهذا المأزق – لمجرد مخربين مزعجين يشتغلون فيما تبقيه لهما هاتان السلطتان من هوامش، هنا أو هناك.

وإذا كان مأزق الصحافة الحرة مقتصراً على الخروج من سيطرة وتوجيه “رأس المال” في السابق، فهو اليوم قد تفاقم، ومن أجلى الصور، إمتداده لما أورثه “البذخ” الإعلامي من الطباعة الفاخرة إلى الأستديوهات الفخمة والأجهزة الباهضة والجوائز المليونية من إنهيار شامل للمؤسسات الصحافية الصغيرة والمتوسطة الحجم وحصر المنافسة والربحية لصالح المؤسسات الكبيرة. والأخيرة بالطبع هي دائما ما تكون مرتبطة بالدول والحكومات.

وبما لا يقل أهمية وتأثيراً، تمتد أزمة (الصحافي) إلى ما افرزه التطور”التكنولوجي” من رفد المجتمعات بوسائط تقنية إتصالية متطورة، باتت لا تمهل الصحافي “الكلاسيكي” الساعات – أو حتى الدقائق – التي يحتاجها لحبك قصته الإخبارية، وتقديمها.

وسواء كانت الدول من قادت هذا “الإنقلاب” على الصحافة والصحافيين او كان المجتمع ذاته، فإن أحداً لم يقدم حتى الآن توصيفاً دقيقاً لهذا المأزق، أو معناه. قد يتفهم/ يستشعر هذه الإشكالية الصحافيون في دول الجنوب أكثر مما هو الحال في الشمال لأسباب يطول شرحها، لكنه بالتأكيد – على أقل تقدير – “هاجس” موجود لدى جميع الصحافيين الذين يؤمنون بأنهم ليسو جزءاً من آلات الدول الدعائية، أو برامج “الترفية” التلفزيونية، وجوائزها المليونية.

من حرية الصحافة إلى حرية التعبير

لم تنحصر إمتدادات هذه “الإشكالية” على عمل الصحافيين الكلاسيكيين ومنتجهم اليومي وحسب، بل إمتدت إلى المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحرية الصحافة والإعلام. ويمكن في هذا السياق تتبع بيانات وتقارير الدفاع عن حرية الصحافة  حول العالم كنموذج.

في المنطقة العربية ومنذ الربيع العربي، تبدو بيانات الإتحاد الدولي للصحافيين IFG  شحيحة إذا ما قورنت بالبيانات الصادرة عن منظمة مثل “مراسلون بلا حدود” أو “لجنة حماية الصحافيين- الولايات المتحدة” CPJ أو حتى الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، أو تلك المنظمات التي تعنى بالدفاع عن المدونيين والنشطاء الإلكترونيين في مواقع التواصل الإجتماعي.

لا يتعلق الفارق هنا بمدى فاعلية ونشاط غرف الرصد والمتابعة في الإتحاد الدولي للصحافيين مقارنة ببقية المنظمات، بل بنطاق التغطية والإهتمام.

قانونياً وبالنسبة لفضاء الإهتمام لا يصدر الإتحاد الدولي للصحافيين بياناته إلا للدفاع عن الصحافيين المسجلين في النقابات الوطنية في بلدانهم، ولا يتخطى ذلك إلا في حدود ضيقة، وهو بالمناسبة عدد كبير من الناحية الرقمية[viii]، لكنه رغم ذلك، رقم هادئ لا يصاحب اعماله الكثير من الإنتهاكات والتشويش، ما خلا البلدان التي تشهد حروبا او هي بلدان فقيرة في التكنولوجيا ووسائل الإتصال. لقد انتقل الصراع الحقيقي وانتقلت (الإنتهاكات) المتعلقة بحرية الصحافة إلى بيئة جديدة، بيئة رقمية، أهم حواضنها هي مواقع التواصل الاجتماعي “الفايس بوك” و”تويتر” و”المدونات”. وكنتيجة، بات مانشيت (الدفاع عن حرية التعبير) أكثر رواجاً وإستخداماً وضرورة قبالة (الدفاع عن حرية الصحافة)، فأين غاب الصحافيون؟، هل يعودون؟، وكيف؟


[i]  يتقدم النشرة في العديد من القنوات التلفزية اللبنانية مقدمة سياسية بمثابة مقالة رأي تقدم عرضاً سريعاً للأحداث ودلالاتها بحسب القناة وتوجهاتها السياسية، وهو قالب بات معتمداً في غالبية القنوات التلفزيونية في لبنان وسورية.

[ii]  ٩٢٪ من الوزارات والمؤسسات الحكومية في البحرين لها تواجد على شبكة الإنترنت.

 [iii] يمكن مراجعة تقرير رابطة الصحافة البحرينية الكلمة تساوي الموت 2012 أو تقرير الصمت جريمة حرب على الرابطين

http://www.bahrainrights.org/en/node/5735

http://www.bahrainrights.org/en/node/4707

 [iv] لوزارة الداخلية البحرينية والنيابة العامة حسابات نشطة على موقع التواصل الإجتماعي “تويتر” وغالباً ما تأتي الردود الرسمية على هذه الحسابات قبل أن يتم بثها على تلفزيون البحرين الحكومي أو تنشر في الصحف اليومية.

[v]  أميل لإعتماد هذا التعريف للصحافي، وهو تعريف تعتمده بعض المراكز والجامعات الأمريكية.

[vi]  تؤكد العديد من الدراسات الإقتصادية أن المؤسسات الصحافية الصغيرة والمتوسطة إن لم تكن متورطة بالتمويل السياسي فهي عاجزة بالضرورة عن مجاراة المؤسسات الكبرى وعن توفير المداخيل الكافية لتشغيلها.

[vii]  لا تقدم غالبية الجامعات في المنطقة العربية أي نماذج اقتصادية لإدارة المؤسسات الإعلامية، كما أن غياب البيانات المالية للمؤسسات الإعلامية أثر بوضوح في التغطية على العديد من مظاهر الفساد المالي في المؤسسات الإعلامية.

[viii]  تأسس الإتحاد الدولي للصحافيين في العام 1926 ويضم أكثر من 600 الف صحافي من أكثر من 100 دولة.

======

لقراءة المقال من موقع مرآة البحرين ..

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 36,903 other followers