“العنف”: صناعة الباحثين عن حلول

24 أبريل

Image

يبدو أن أكثر ما تبحث عنه دعوات (العنف/ المقاومة الشعبية/ وانتفاضة الأعراض مؤخراً) هو الحل السياسي المفقود في البحرين.

لا غرابة في الإستنتاج، إذا ما حاولنا الإنتباه إلى أن العنف في أحد (تجلياته)؛ هو تعبير سلوكي رافض، ومحاولة (جادة)، لإنهاء حالةالمراوحة، والمماطلة السياسية في الصراع القائم.

يطول أمد الأزمات السياسية، فيتجه أحد أو جميع الأطراف إلى العنف/ الحرب لإنهائها، ولحسم نتائجها بما يرتضيه.

وحين يفشل/ يتأخر/ ينعدم الحل السياسي في البحرين، خصوصاً بعد تفريط السلطة في (روشتة) بسيوني بوصفها المقترح الأمريكي لحل الأزمة؛ فإن العنف من جانب الدولة أولاً، والمعارضة ثانياً، هو المحصلة الطبيعية، والمتوقعة لذلك.

وفيما تستفيد قوى المعارضة من عنف (السلطة) في تبرير مطالبها بالإصلاح والتغيير السياسي، تستفيد السلطة – وبشكل أكبر – من عنف المعارضة، خصوصاً وأن العنف (الرمزي) الذي قد تمارسه المعارضة يقدم للسلطة ما تحتاج من تبرير للعنف (الحقيقي) الذي تمارسه أجهزتها الأمنية. وغالباً ما تحرص السلطات الأمنية منذ بدء الأزمة على تقديم عروض شبه أسبوعية في السفارات الغربية لأفلام تتضمن مشاهد عنيفة من المحتجين.

توظيف السلطة لعنف المعارضة (الرمزي) أثمر في إنتاج ضغوطات متزايدة على الجمعيات السياسية لبيان موقف واضح من العنف في الشارع. هذه المواقف زادت وتزيد من حدة (الإنقسام) داخل المعارضة، إذ غالباً ما تعتبر المعارضة (الإسقاطية) مواقف الجمعيات (خيانة) للثورة، وتماهياً من خطابات السلطة.

قبالة ذلك، لا تجد الجمعيات السياسية مفراً من إعلان (البراءة) مع كل منحى جديد للعنف في الشارع. خصوصاً وأن قواعد اللعبة السياسية الدولية وحساباتها – كما تفهمها الجمعيات – لا تحتمل أية (مجاملات) في العنف، ولن تقبل بأي تبرير.

Image

ما يعقد موقف الجمعيات السياسية أمام (المناوئين) لها في المعارضة أيضاً، هو أنها لم تستطع حتى الآن الخروج بنتائج ايجابية، تبرر بها، أو تستند عليها، في تأكيد أفضلية ونجاعة خياراتها في مواجهة السلطة، خصوصاً فيما يتعلق بالحوار، ومركزية شراكة (ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة) في إنتاج مشروع إصلاح سياسي حقيقي في الدولة.

إن خيبات الحوار المتلاحقة، واستمرار الإنتهاكات الحقوقية، وسياسات التمييز، وتزايد أعداد المعتقلين السياسيين، والأحكام القضائية التعسفية، كلها مسامير تضرب وبشكل يومي في الجمعيات السياسية، مشروعا، وخيارات. وما يزيد الطين بلة لدى الجمعيات، هو أن ليس ثمة ما يشي – حتى الآن – بأن الدولة ستعمد فعلاً لتسوية سياسية قبل الإنتخابات النيابية المقررة أواخر العام الجاري.

نعم، لم تصل انقسامات جماعات المعارضة داخل البحرين وخارجها إلى ما يمكن إعتباره مفترق طرق، لكنها خلافات وإختلافات تتفاقم، تنخر فيها، تضعف صوتها، وتستنفذ قوتها. والأخطر من ذلك، هو أن تنتهي الأزمة السياسية على المعارضة وشارعها بـ (كومة) من الخسارات التي لا يعوضها شيء، فيما يشبه خسارات أي من الشعوب التي خاضت (نصف ثورة). وحينها، تكون كل المكاسب المتوقعة، أقل مما دفعت هذه الشعوب من كلفة. ويكون ما قبل 14 فبراير، أثمن مما بعده.

قبالة ذلك، على الدولة أن لا تأمن/ تطمئن إلى أنها قادرة – دائماً وأبداً – على تطويق (العنف)، وتجفيف مصادره، فبالإضافة إلى أنها قد صنعت الآف الضحايا الذين قد يحولهم (اليأس) إلى قنابل موقوتة، تشي تحولات/ أحداث المنطقة (الإستثنائية) منذ 2011 بأن الكثير مما كان يعتقد أنه (مستحيل) أو (رمزي) أو (هامشي)، قد يتحول إلى (ممكن)، و(أساسي)، و(حقيقي). وإذا كان (العنف) القائم – وما نتج عنه من خسائر وما يمثله من تهديد – هو منتوج أقلية (المعارضة) الكافرة بإصلاح السلطة، فجدير بالسلطة – على أقل تقدير – أن تفكر، وبجدية، في الجحيم الذي سيراه البلد، وساكنوه، إن أصبح (العنف) خيار المعارضة كلها، وبالتالي، المجتمع كله، موالاة ومعارضة.

هل إنتهت الحلول؟، وهل تعقدت المسألة أكثر؟، نعم، ولا.

نعم، إن كان كل الأطراف (السلطة/ المعارضة) مصرين على المضي في إدارة الأزمة بذهنية المقاتل، الباحث عن الإنتصار الكبير، والحاسم.

ولا، فالحلول قائمة، ودائماً موجودة، لمن يريدها، شريطة أن لا ننظر إلى (الحل) بإعتباره نهاية مطلقة للصراع، بل ربما بإعتباره (تفاهماً) جديداً لإعادة ترتيب وتنظيم قواعد الإشتباك، فالسياسة وصراعاتها على السلطة، لم ولن تنتهي.

 

 

الشيخ النجاتي يبعث من جديد ذاكرة “الإبعاد” للعجم في البحرين

23 أبريل

Image

 

الشيخ النجاتي يصل إلى بيروت، وهي أول حالة إبعاد قسري لبحرينيين منذ بدء الأزمة السياسية في البحرين منتصف فبراير 2011.

ورغم أن سياسة (الإبعاد) كانت فاعلة في عهد إمساك رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة بكامل مفاصل الدولة، فإن قرار الترحيل الأخير كان “ملكيا”، فوزير الدولة للشؤون الداخلية عادل الفاضل – وهو المسؤول المباشر عن ترحيل النجاتي – هو أحد أذرع الديوان الملكي بإمتياز.

وفيما تربط قوى المعارضة (الجمعيات) قرار الترحيل برفض النجاتي الإستجابة لمطالب السلطة في الوقوف أمام مركزية الشيخ عيسى قاسم، وإدانة العنف، والدعوة للمشاركة في انتخابات مجلس النواب أواخر هذا العام، أكدت وزارة الداخلية في بيان لها أن قرار الإبعاد يرتبط بقرار سحب الجنسية وان النجاتي “وكيل” للمرجع الديني العراقي السيد علي السيستاني على خلاف القانون. ويُخشى فعلياً، أن يكون ترحيل النجاتي – وهو (الأصعب) – مقدمة لترحيل بقية المواطنين الذين تم إسقاط جنسياتهم، وذلك في قرار مخالف لنصوص الدستور. بحسب ما أكدته عواصم غربية ومنظمات حقوقية محلية ودولية.

محاولات قوى المعارضة استباق قرار الإبعاد بحملة إدانة دولية لضغوطات الترحيل القسري لم تفلح، ورغم عديد البيانات/المواقف التي سعت المعارضة لإستصدارها من مختلف العواصم والهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية إلا أن الشيخ النجاتي آثر الرحيل، خصوصاً وأن تهديدات الدولة كانت (جدية)، وألمحت إلى إستهداف أفراد عائلته في حال أصر على البقاء. فالدولة كانت تريد من (النجاتي) أن يغادر فيما يشبه المغادرة الطوعية، لا مرغماً.

في كتيب صغير يحمل عنوان (نفي المواطن البحريني) صادر عن دار الوطن للطباعة والتسويق ببيروت يفرد عبدالسلام ربيعة – قد يكون إسم الكاتب وهمياً – تفصيلاً للشخصيات والعائلات البحرينية التي تم نفيها من البلاد.

Image

 

تعداد سريع لجداول الأسماء والعائلات البحرينية المهجرة إلى (العراق/ الإمارات/ الكويت/ سوريا/ لبنان/ إيران/ بريطانيا/ السعودية ودول أخرى) يشير إلى أن أكثر من 640 بحرينياً قد تم تهجيرهم من البلاد منذ الإستقلال. وبالطبع، كان البحرينيون (العجم) – شيعة من أصول فارسية – أكثر الضحايا عدداً. وألماً.

المكاسب السياسية المنتظرة للنظام من خلال ترحيل النجاتي لا تقتصر على أن الباب بات مفتوحاً لترحيل بقية المسحوبة جنسياتهم من البلاد. الأكثر من ذلك، هو أن رسالة سياسية واضحة قد طرقت منازل الآف البحرينيين (العجم)، وهي أن سياسة (الإبعاد) قد عادت من جديد، ومثقلة ذاكرة (العجم) بما حملته لهم هذه السياسة على مدى عقود من أحزان، وأوجاع.

 

 

لا أحد مسؤول

22 أبريل

Image 

لا يقدم البيان الصحافي الذي خرجت به قوى المعارضة (الجمعيات السياسية) على خلفية تفجير المقشع الأخير جديداً، فخلاف التأكيد – شبه اليومي – على الخيار السلمي وإدانة العنف، تدرك الجمعيات، أن المطالبة بلجنة تحقيق محايدة في الحادث لن تتحقق. وفي المحصلة، فإن فصيلاً في المعارضة، الإصلاحية أو الإسقاطية، لم يعلن ما إذا كان معنياً – وبصفة مباشرة – بحادثة “المقشع” و”ضحاياها”.

ولأن أجهزة السلطة – أكانت الفاعل أم لا -  لن تقدم حقيقة ما تعرف إلا بمقاساتها، وبما يخدم مصالحها، فلا أكثر من أن يُرحل “تفسير” ما حدث في المقشع، وهوية المسؤول عن مقتل الشابين. إلى قائمة (المُرحلات) العريضة منذ أعوام ثلاثة.

المعادلة باقية، سلطة لا تكترث بحساب الخسارات ما بقت في ثنائية (الحكم) و(الإمساك بالثروة) منتصرة، وشهيتها في إطالة الأزمة ونزيف أرواح (أبناء البلد) وثروات (الأرض) مفتوحة.

ومعارضة مقسومة على قطعتين؛ واحدة (كفرت) بالسياسة وتفاصيلها، تؤمن بأن لا أفق لإصلاح النظام، وتؤكد حقها في (العنف/ المقاومة) لتحقيق أهدافها التي هي أقرب لأفلام الخيال العلمي، وقطعة ثانية، تؤكد على خيار (النضال الأسبوعي/ الندواتي/ الحقوقي)، وتعول على ما تسميه أو تعتقد أنه (دعم دولي) سيجلب لها شراكة كرسي الحكم.

قاسم مشترك وحيد يجمع هذه الأضداد: لا مراجعات، لا تقييم، ولا محاسبة.

هنا، كل الرهانات مضمونة، حيث لا أحد مسؤول/ سيحاسب عما كان، أو سيكون.

 

أقسم أن أحمد حميدان صحافي

26 مارس

 photo (1)

لن تكترث العديد من المنظمات الدولية ممن يفترض بهم الدفاع عن الصحافة وحرية الرأي والتعبير بالشاب “أحمد حميدان”. المصور البحريني الذي ناله اليوم حكم قضائي (مجنون) بالسجن لعشر سنوات[i]. أكثر من ذلك، هي لا تعترف به “صحافياً”[ii].

هذه مشكلة “عويصة” تواجه غالبية المصورين في البحرين، فالنظام يحتكر الإعتراف بك كـ “صحافي”. وحتى تكون صحافياً معترفاً به – على الأوراق – فهي مهمة شاقة، ومستحيلة أحياناً.

فعلياً، الدولة تحتكر تسمية المراسلين المحليين للقنوات والفضائيات ووكالات الأنباء الدولية، حيث تشترط أن يكون المراسل من ضمن قائمة الصحافيين المحسوبين على “المولاة” لمؤسسة الحكم وبشكل فاحش، كما أن جميع الصحف الورقية (حكومية) ما خلا “الوسط”، وليس بإمكان “الوسط” توظيف أكثر من 3 إلى 4 مصورين لينالوا تسمية “صحافي”، فتهتم بهم المنظمات الدولية حين يعتقلون، أو حتى حين يقتلون.

حين قتل المصور الصحافي أحمد إسماعيل[iii] في 29 مارس/آذار 2012 حادثني ممثل أحد المنظمات الدولية في الدفاع عن الصحافة قائلا: نحن تأكدنا من جميع المعلومات التي أوردتها عن أحمد إسماعيل، لقد قتل فعلاً وهو يقوم بتصوير فعالية إحتجاجية، ولكن كيف تؤكد لنا أنه صحافي؟! أجبته: وما هي أشرف ميتة قد يموت عليها صحافي مصور برأيك؟ قال: ان يقتل وهو يقوم بأداء عمله!. قلت له: شكراً، ماذا تريد من إسماعيل أن يفعل ليكون صحافياً، هو يصور الإحتجاجات ويخاطر بنفسه ويرسلها للقنوات التفلزيونية التي تبثها لأنها ممنوعة من دخول البحرين، فإن لم يكن صحافياً، فماذا عساه أن يكون!

قصة أحمد حميدان وغالبية المعتقلين من المصورين بسيطة، الدولة لا تريد أن تعترف بهم كصحافيين او مصورين محترفين، وهي تستفيد من هذه (النذالة) لتعتقلهم من المظاهرات بتهمة المشاركة في الإحتجاجات، بل وقيادتها!

وهذه الأحكام القضائية تهدف إلى نتيجة واحدة، وهي أن يتوقف هؤلاء عن المخاطرة بأوراحهم في توثيق هذه المسيرات والإنتهاكات الأمنية اليومية.

أقسم أن أحمد حميدان “صحافي”، بكل ما للكلمة من معنى، بل هو حالة فريدة من الصحافيين، لأنه كان يدرك جيداً وهو يقوم بعمله، أن أحداً لن يهتم به ساعة إعتقاله أو سجنه أو حتى حين يقتل، كان يعمل وهو مكشوف الظهر، كما هو الحال الكثيرين من الصحافيين الشجعان في البحرين.

 

 

 

[i] http://www.bahrainpa.org/?p=214

[ii] لابد هنا من الإشارة إلى منظمتين أو ثلاث يكسرون هذه القاعدة ويبدون تفهماً لهذه المشكلة ويتفاعلون معها بإيجابية

[iii] http://bhmirror.no-ip.org/news/4216.html

إيران في البحرين: راعية “إنقلاب” أم شريك ذاكرة ومستقبل؟

22 مارس

Image

تمثل آلية الإتهام بـ “الولاء لإيران وولاية الفقيه” أبرز تقنيات الهجوم التي تعتمدها المتحدث الرسمي بإسم حكومة البحرين وزيرة شؤون الإعلام سميرة بنت رجب – وغالبية المدافعين عن الخط الحكومي – أمام شاشات التلفزة، وصفحات الجرائد، داخل البحرين وخارجها. فالمعارضة  البحرينية، كما تريد أن تؤكد بنت رجب، هي ليست أكثر من مشروع إنقلابي، برعاية إيرانية! [i]

ولا تقتصر إدعاءات مؤسسة الحكم في البحرين بوجود تدخل إيراني في البلاد على الأزمة السياسية الراهنة التي تدخل عامها الرابع، فإيران أيضاً، كانت – بحسب السلطة – المتهم الأول في اندلاع الحركة المطلبية في تسعينات القرن الماضي. وما سبق ذلك، من هزات سياسية متتابعة.  

فعلياً، تمثل هذه (الموضوعة) قلقاً مستمراً للبحرين والبحرينيين، خصوصاً بالنسبة للأغلبية الشعبية من الطائفة الشيعية التي كانت قد حسمت خيارها في بعثة تقصي الحقائق الأممية العام 1970، حين أكدت هذه الغالبية – كانت تمثل آنذاك ما لا يقل عن 75% من مجموع السكان – على عروبة البحرين واستقلالها. [ii]

محمود شريف بسيوني الذي ترأس اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق أكد في تقريره الصادر في 23 نوفمبر العام 2011 أن لا دلائل على أي تدخل إيراني في البحرين، وكذلك فعل السفير الأمريكي في المنامة توماس كراجيسكي في شهادة له أمام الكونجرس قبل قدومه إلى البلاد، وكذلك فعلت – وتفعل – قوى المعارضة على إختلاف سقوفها وألوانها. كل ذلك، لم يمنع النظام في تسجيل أفضلية، ولو على صعيد الإقليم، حيث تقف دول مجلس التعاون الخليجي على رواية النظام، وتتبناها.

على الأرض، لا دلائل مادية على أي تدخل إيراني في البحرين ما خلا البرنامج التلفزيوني اليومي في الظهيرة على قناة العالم الإيرانية[iii]، وبعض التصريحات الإعلامية الإستفزازية بين الحكومتين، وبالتأكيد، كون الأغلبية الساحقة في شارع المعارضة البحرينية شيعة!

 1939 المدرسة الإيرانية في البحرين

1939 المدرسة الإيرانية في البحرين

المرحوم حسن بلجيك: أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير

المرحوم حسن بلجيك: أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير

لكن أعتقد أن ثمة رؤية مغايرة لفهم/ التعامل مع “التموضع”  positioning الإيراني في البحرين. وهي رؤية مهملة، رؤية تنظر إلى إيران من زاوية أبعد من أن تكون موضوعة “سياسية” وحسب. وتنطلق هذه الرؤية من عدة أبعاد إجتماعية وثقافية تسندها حقائق تاريخية لا يمكن تجاوزها، أو القفز عليها. وفي الحقيقة: إن جل ما يتهم به النظام المعارضة، هو متورط فيه، وبإمتياز. فـالإيراني أو الفارسي “المحرم” في البحرين لا يرتبط بالأزمة السياسية الراهنة وحسب، بل هي موضوع يتعلق بماهية الدولة، كلها. وإذا كانت المعارضة من تقف اليوم في قفص الإتهام بالعمالة لإيران، فلقد وقعت العائلة الحاكمة إتفاقيات (عمالة) رسمية، بل ورفعت العلم الإيراني على قلعتها في المحرق، غير ذات مرة[iv].

تمثل البحرين رغم الجغرافيا المحدودة، تنوعاً عرقياً وطائفياً فريداً في منطقة الخليج، وأتاحت الهجرات المتتابعة للإيرانيين سواء إبان سيطرة إيران على البحرين (1602 – 1700) (1737 – 1783). أو قبل ذلك، وبعده، في أن يكون تعداد البحرينيين من أصول فارسية [v] استثنائياً. ورغم أن لا إحصائيات دقيقة حول نسبة البحرينيين من أصول فارسية من مجموع مواطني الدولة، إلا أن تعدادهم لا يقل عن 18- 20% على أقل تقدير[vi].

هذه المقالة ليست بصدد رصد المساهمة الحضارية – رغم أهميتها وأهمية دلالاتها السياسية – لهذا المكون الإجتماعي العريض في البحرين، خصوصاً وأن تاريخ هذا المكون تعرض لإهمال “مقصود”، لأسباب سياسية  تارة، ولأسباب اجتماعية تارة أخرى[vii]. لكن يكفي الغوص في تقسيمات هذا المكون وخصائصه الإجتماعية والسياسية والثقافية، ما بين العجم “البيرمية” في المحرق، و”الميناوية” في الماحوز وغيرها من المناطق، و”البوشهرية” و”كازروني” و”حاجي” و”جهرمي” و”بلجيك”[viii] وعائلات كبرى لها تاريخها في مناطق العاصمة المنامة، ومن أبرزها: فريق “مشبر” و”الجامع”، بالإضافة لتعدادها الكبير في “العدلية”  و”جدعلي”، بل وفي منطقة “البحير” بالرفاع الشرقي. إهتمام بسيط بتفاصيل هذه التقسيمات سيكون كافياً لتتأكد بأن العجم – سنة وشيعة – هم جزء أصيل من الدولة.

وفيما لعب ويلعب “العجم” دوراً سياسياً بارزاً في الحركات الوطنية المعارضة، على إختلاف تقسيماتها[ix]. كان العجم (الهولة)[x] جزءاً أساسياً ومحورياً في الدولة منذ نشأتها، ولا يرتبط هذا الإدعاء بطاقم مستشاري ووزراء الملك الحاليين من الأصول الفارسية[xi]، بل وبما يشمل أولئك الذين تقلدوا مناصب حساسة ومهمة في حكومات ومشيخات آباءه وأجداده الذين عمدوا إلى الإعتماد على “الهولة” – فارسيون يعتقدون بالمذهب السني وقدموا من إيران في العشرينيات من القرن الماضي –  في إدارة الدولة ومؤسساتها، وذلك لقربهم الطائفي من العائلة الحاكمة، ولأن لهم تاريخاً عدائياً مع إيران ما بعد ثورة الخميني، بإعتبارها دولة شيعية.

وتدور في هذا التقسيم مفارقات واجبة الذكر، فثمة من العجم (الشيعة)[xii] عائلات وشخصيات تساند النظام الحكام في البحرين، وثمة من العجم (الهولة)[xiii] من يقف في صف المعارضة بل ويتصدر مقاعدها الأولى. وهو ما يؤكد أن هذا المكون الإجتماعي أعمق مما يعتقد البعض.

فعلياً، من سوء حظ قوى المعارضة، أنها تناضل في بيئة اجتماعية وسياسية معقدة، فالحالة (البحرينية) هي نموذج مصغر بالغ التعقيد من فوضى صراعات الإقليم الكبير، جغرافيا سياسية، صراعاً طائفياً، بل مماحكات إجتماعية (قبلية وإثنية) أيضاً. أتذكر هنا حديثاً جانبياً من أحد الزملاء الصحافيين اللبنانيين حين سألني: هل من الصعب فكاك البحرينين الشيعة من الإرتباط الرمزي بإيران؟، فأجبته: هل من السهل فكاك سنة لبنان من الإرتباط الرمزي بالسعودية أو شيعتها من إيران أو مسيحييها من فرنسا، وهل تستطيعون إلغاء المفردات “الفرنسية” من كلماتكم، أو إقتلاع المسميات الفرنسية والتركية عن مدنكم وقراكم وقلاعكم؟!

على أي حال، ليس الهدف هنا تأصيل الوجود “الإيراني” في البحرين على حساب الإرتباط التاريخي والحضاري والإنساني للبحرين بـ (السعودية)[xiv]، فإرتباط البحرين، جغرافيا وحضارة وإنسان بالسعودية وباقي دول الخليج العربية، هو – بكل تأكيد – أعمق، والأهم من ذلك، هو أنه ما يجمع عليه البحرينيون كافة، موالاة ومعارضة. عرباً وعجماً. المهم في هذا السياق بالنسبة لي – على الأقل – هو أننا بحاجة للإقرار بأن إيران جزء اساسي من حياتنا، سياسيا وإجتماعياً وثقافياً، وأن لا تكون إيران حالة “قلق” تراودنا، بل أن نفهمها بإعتبارها جزءاً من تاريخنا ومجتمعنا. وأن ما نطمح له – ربما دون أمل – هو أن ننجو من صراعات الإقليم وكباره – السعودية وإيران – بديمقراطية صغيرة، تناسب مقاساتنا الصغيرة.

 


[i]  قد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن الوزيرة سميرة بنت رجب ترتبط بأصول فارسية من جهة الأم.

[ii]  وثائق بعثة التقصي الأممية مترجمة في إصدار خاص من مركز الدراسات والبحوث في البحرين، ويذكر الإصدار أسماء العائلات البحرينية التي قابلت الممثل الأممي السفير الإيطالي جوشيباري الذي ترأس لجنة التقصي.

[iii]  البرنامج كان أكثر البرامج متابعة في البحرين وكان يقف بوضوح إلى جانب حراك المعارضة، وتم تقليل مدة البرنامج وترشيد خطابه بعد إنتخاب الرئيس الإيراني روحاني.

[iv]  في العام 1859م طلب الشيخ محمد بن خليفة  آل خليفة (جد وزيرة الثقافة الحالية مي بنت محمد ال خليفة) من الإيرانيين الحماية من الدولة العثمانية وقام برفع العلم الإيراني على قلعته.

[v]  أفضل التعبير بالأصول الفارسية عن الأصول الإيرانية، فالنسبة الثانية (إيرانية) ذات دلالات سياسية فقط.

[vi]  قدرت وكالة الإستخبارات الأمريكية نسبة البحرينيين من أصول فارسية اواخر التسعينات بقرابة 15 % وتشير مصادر صحافية إلى ان البدون – المحرومون من الجنسية – من أصول إيرانية آنذاك كانوا قرابة 7 آلاف شخص.

[vii]  تعرض العجم – كشأن باقي الأقليات– لمعاملة إقصائية من لدن الأغلبية (العربية) في البلاد. وهذا بحث كبير يحتاج مراجعة خاصة.

[viii]  ومنهم الحاج حسن بلجيك أحد مؤسسي مأتم العجم الكبير

[ix]  للعجم دور مهم في بعث الفكر الشيوعي في البحرين، وذلك عبر إمتدادات حزب توده الإيراني. كما يتمركز “الهولة” في التيارات السياسية القومية.

[x]  يؤكد الهولة وبعض الباحثين منهم انهم من أصول عربية، وأن هجرتهم إلى الساحل العربي من الخليج كانت بمثابة العودة لمناطقهم الأصلية التي هجروها إلى إيران سابقاً. لكنه إدعاء ومع القبول به جدلاً، لا يلغي أنهم يحافظون اليوم على طقوسهم وثقافتهم (الفارسية) على أكثر من صعيد.

[xi]  يمسك العجم الشيعة والهولة ب3 وزارات على الأقل، ولهم تمثيل مهم في مجلسي النواب والشورى، وفي أغلبية المناصب القيادية في الدولة

[xii]  منهم وزير النفط عبدالحسين ميرزا ورجال أعمال كبار يحيطون برئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة.

[xiii]  منهم الامين العام لجمعية وعد المعتقل ضمن قضية الرموز السياسية في المعارضة إبراهيم شريف.

[xiv]  قد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن كاتب المقالة يرتبط بأصول سعودية من جهة الأم.

.. يا حكومة يا غبية

21 مارس

 am-i-stupid

“بلطجية بلطجية .. يا حكومة يا غبية”.. هو واحد من شعارات الثورة. اشتهر وراج خلال شهر مارس العام 2011 قبيل إعلان حالة الطوارئ في البلاد. ومناسبة الشعار هو التعليق على الميليشيات المدنية – بعضها كان عسكري التكوين والآخر من المتطوعين المدنيين الذين تم تسليحهم – التي زجها النظام في القرى لملاحقة المتظاهرين ولمحاولة إشغال المتواجدين في دوار اللؤلؤة وإجبارهم على الرجوع لمناطقهم، يضاف لذلك، لعبت هذه “المليشيات” دوراً في تحشيد الشارع السني وضخ الحماسة فيه وصولاً لظهور تجمع الفاتح.

الشعار يتكون من جزئين (بلطجية بلطجية .. يا حكومة يا غبية)، ولا يبدو أن ثمة ترابط بينهما، وهو لا يفسر الإرتبط بين “البلطجية” و”الغباء”، خصوصاً وأن النتائج بالنسبة لمؤسسة الحكم كانت فعالة، آنذاك.

ومن أبرز التعليقات أو ردود الفعل التي تجدها على مواقع التواصل الإجتماعي والمدونات حول مستجدات الأحداث في البحرين هو التأكيد على أن الحكومة “غبية”، وأن النظام “غبي”.

الإفتراض حد اليقين – على ما يبدو – أن النظام “غبي” لدى شريحة كبيرة من شارع المعارضة في البحرين هو تأكيد بطريقة وأخرى على أن المعارضة وشارعها يمثلون قيمة “الذكاء”. فقبالة الحكومة “الغبية” لابد وأن ثمة معارضة “ذكية”، وقبالة السياسات “الغبية” في الحكومة ثمة سياسات “ذكية” في المعارضة، وقبالة آليات اللعب والمناورة الحكومية “الغبية” ثمة آليات لعب ومناورة “ذكية” لدى الجانب الآخر.

على أي حال، الخوض في هذا الموضوع هو دخول منطقة “جدال” لن تنتهي، خصوصاً حين يكون السؤال الرئيس على شاكلة: من الغبي ومن الذكي؟ الحكومة/ النظام .. او المعارضة؟. لكل منّا مسطرته. لكن ذلك لن يمنعني البتة من القول وبصراحة: بأننا حين ننظر لخصمنا – في البحرين وغيرها – بإعتباره غبياً، فإنها أولى الخطوات اللازمة لنكون “أغبياء”.

أهلاً… قطر

9 مارس

عادل مرزوق

1394289486

تاريخياً، وبحسب أدبيات مؤسسة الحكم في البحرين، ولوائح الاتهام في المحاكم القضائية للمعارضين السياسيين من مختلف تنظيمات قوى المعارضة الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي، تناوبت كل من هذه الدول: مصر، الاتحاد السوفيتي، إيران، قطر، العراق، الولايات المتحدة، بريطانيا، ولبنان (حزب الله)، على دعم المعارضة البحرينية!

اتهامات البحرين لقطر بالتدخل في الشأن الداخلي كانت قد تلاشت بعد ما كان يعتقد أنها “مصالحة تاريخية” بين العائلتين الحاكمتين لتطوي تاريخاً من الأزمات السياسية بين القبيلتين. وعليه، تعود قطر بعد إعلان المنامة (الفزعة) للجارتين السعودية والإمارات عبر سحب سفيرها من الدوحة لتكون من جديد – بحسب السلطة– أحد الداعمين للمعارضة البحرينية.

“آل العبدالله” والحكم “المفقود”

تاريخياً، تستند المنامة في اتهاماتها لقطر بالتدخل في الشأن البحريني على انشقاق جزء من عائلة آل خليفة من أبناء وأحفاد حاكم البحرين الشيخ عبدالله بن احمد آل خليفة (1820 – 1843)(1) ، وتحديداً نجله الشيخ مبارك بن عبدالله بن أحمد آل خليفة الذي كان حاكما للدمام حتى سقوط حكم والده وخروجه من البلاد في إنقلاب داخلي.

ومن أولاد الشيخ مبارك بن عبدالله بن أحمد آل خليفة (محمد بن مبارك – قتل في الدفاع عن جده الشيخ عبدالله بن أحمد) و(ناصر بن مبارك – شارك في غزو البحرين مع الشيخ محمد بن خليفة (2) وسبب إزعاجاً للحكم كما تزوج من الشيخة مريم بنت الشيخ قاسم آل ثاني شيخ  الدوحة آنذاك، وكان الشيخ ناصر بن مبارك رئيسا لفرع ( آل العبدالله) من قبيلة آل خليفة (3.(

ولا مناص هنا من التوضيح أن مؤسسة الحكم الحالية في البحرين من (آل سلمان) تعتقد بأن أطماع أحفاد (آل العبدالله) في العودة لحكم البحرين لاسترداد مشيخة “الجد الكبير” لا تزال قائمة. خصوصاً وما يشاع من أن اتصالاً قد جرى بين (آل العبدالله) من جهة، وبين المعارضة البحرينية في العاصمة البريطانية (لندن) من جهة اخرى، وذلك إبان الحركة المطلبية في التسعينيات.

مشايخ الخليج: مختلفون!

عوداً على القرار، ليست هذه المرة الأولى التي تكتشف فيها مشيخات مجلس التعاون الخليجي أنها تختلف وتتخالف حول ملفات إقليمية أو دولية. وبالإضافة إلى الخلافات الحدودية التي لا تزال قائمة بين العديد من دول المجلس – ومن ضمنها الدول الثلاث التي قررت سحب سفرائها من الدوحة – لا مفر من الالتفات/الانتباه إلى أن دول المجلس اليوم، لا تتموضع سياسياً واقتصادياً كما كانت إبان انشاء المجلس في مايو 1981. وهو ما يتطلب من هذه الدول الاقرار بأن “الأدوار” لا يجب أن تستمر كما كانت عليه.

على الأرض، لا يبدو أن محتوى البيان المشترك الذي أصدرته كل من السعودية والإمارات والبحرين لتبرير قرار استدعاء السفراء من الدوحة قد أقنع الخليجيين عامة – والبحرينيين خاصة – بمشروعية وجدوى مثل هذا القرار، أو باعتباره (الحل الأخير) الذي لم تجد الدول الثلاث بديلاً عنه.

وبعيداً عن الانشغال بمواقف الدول الأربع حول الملفات “الأزمة”: مصر، سوريا، اليمن، إيران، وربما البحرين، سعت ديباجة البيان وعباراته الإنشائية إلى صناعة “تخريجة” لتبرير القرار سياسياً وبما يشمل موضوعة: “الأمن الخليجي المشترك”. “تخريجة” كانت أضعف من أن تستثير الرأي العام في دول المجلس لتفهم القرار، والترحيب به.

قطر: اللعب بالغاز

فعلياً، لقد هزت الأحداث الأخيرة دول المنطقة وتحالفاتها التاريخية عديد المرات، وتقلبت المصالح السياسية وفق المعادلات الدولية التي باتت تتغير بشكل متسارع، ولم تكن دول مجلس التعاون الخليجي – يوماً ما – في مأمن من هذه التحولات، وليس ببعيد عن الأذهان الاختلافات التي كانت تطفو على السطح بينها، وليست ممانعة عمان (القاطعة)، والإمارات وقطر والكويت (الخجولة) لإعلان الاتحاد الخليجي ببعيد.

لا يُراد من هذا (الزعم) إصدار صك براءة إلى قطر أو سياساتها/اصطفافاتها في المنطقة، لكن بالتأكيد لم تكن قطر (الوحيدة) التي تعوم بمليارات “الغاز” في معارك الإقليم المستعرة، هنا وهناك. وبالنسبة لدول الخليج العربي، فإن الخيار الأفضل لها، اليوم وغداً، هو تعزيز علاقاتها وتكاملها، لا استدعاء السفراء، أو التلويح بقطع العلاقات.

إخوان البحرين: قطريو الهوى

بحرينياً، لم يجد القرار قبولاً شعبياً أو على الأقل تفهماً لقرار المنامة مشاركة السعودية والإمارات القرار ما خلا أن المنامة (مجبرة) على التوافق مع العاصمتين المعنيتين بمساندتها في تسوية أزمتها الداخلية المستعرة، سياسياً، ومادياً على وجه الخصوص.

ولا ينسحب الرفض الشعبي في البحرين لقرار استدعاء السفير من الدوحة على شارع المعارضة وحسب، بل ويشمل ذلك جزءاً كبيراً من شارع الموالاة، لعدة أسباب، ومنها:

أولا: نمو تيار الإخوان المسلمين في الشارع السني في البحرين إذ تمتلك الجماعة حصة (وزيرين في الحكومة البحرينية) وكتلة نيابية في مجلس النواب. وتتهم بعض القوى الليبرالية الموالية للحكومة (قطر) بدعم وتمويل لجماعة الإخوان المسلمين في البحرين.

ثانياً:التعبئة الإعلامية للحرب الدائرة في سوريا، واعتبار القرار موجهاً لقطر ودعمها للجماعات الإسلامية المتطرفة في الحرب السورية.

ثالثاً: تسجيل حالات من هجرة العائلات السنية إلى قطر جراء التراجع الاقتصادي في البحرين واستمرار الأزمة السياسية لعامها الرابع دون أفق لحل قريب وازدياد التجنيس السياسي الذي يضرب المناطق السنية بوضوح.

وحقيقة، لم تقدم الصحافة البحرينية (الرسمية) التي تمر بأسوأ فتراتها قراءة حقيقية لفحوى القرار، أو أسباب كون المنامة طرفاً فيه ما خلا ان يكون (فزعة) قبلية للسعودية والإمارات.

قبالة ذلك، كان أكثر ما تداوله البحرينيون في وسائل الإعلام الاجتماعي (تويتر/ الفايس بوك) خلال الأيام الماضية بالإضافة للمساهمة في حملات الإعلام القطري ضد الحكومة البحرينية، هو صورة لمجسم تخيلي لجسر المحبة – الجسر البحري الذي كان من المقرر أن يربط بين البحرين وقطر وتم توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالإنشاء في الدوحة في 27 فبراير 2005 – ممهوراً بعبارة: كان صرحا من خيال فهوى!

========

هوامش:

1-   للمزيد من المعلومات حول الشيخ عبدالله بن أحمد يمكنكم مراجعة مقالتنا: عبدالله بن أحمد “الأشقر”: محارب لا يمل

2-   قد يتساءل البعض عن سبب قتاله مع محمد بن خليفة ضد أبيه عبدالله بن أحمد، والسبب كما هو مذكور أن أبناء عبدالله بن أحمد من زوجته (ال بن علي) هم أول من إنقلبوا على حكم أبيهم.

3-   قد يكون أفراد آل خليفة الذين يتولون مناصب عليا في الحكومة القطرية أحفاد ناصر بن مبارك، هذه معلومة تحتاج للتدقيق.

لقراءة المقال على صحيفة مرآة البحرين على هذا الرابط

http://bhmirror.no-ip.biz/news/13989.html

المحاصصة: كي لا نرى 16 مارس مجدداً

24 يناير

عادل مرزوق

ليس على جماعات المعارضة في البحرين أن تمزق بعضها بعضاً. فاختبار المبادرة الجديدة لولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة لن يطول

أسباب عدة يمكن تقديمها لتبرير المبادرة؛ جولة جديدة من “المماطلات”، استجابة لضغوط خارجية، أو مبادرة تهدف إلى تحقيق انتقال ديمقراطي يستجيب لانتظارات الأغلبية السياسية. سرعان ما ستتضح الأمور، فالإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي هو (قرار)، قبل أن يكون (حوارImage).

المواقف المتصلبة لبعض جماعات المعارضة لها وجاهتها في التحذير من الثقة بمؤسسة الحكم، فالخبرات المتراكمة تبرر هذه المخاوف، وتعززها. لكن ذلك لم يمنع الجمعيات – رغم خبرتها – من أن تلتزم بعقلانيتها، وبمضامين خطابها السياسي، وذلك بأن تحاول استثمار ما قد يكون “فرصة” في طي صفحة الأزمة. فالهدف هو إنهاء هذه “الأزمة”، لا العمل على بقائها.

ظهور وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة إلى العلن، دلالة تؤكد أن المبادرة تتخطى حدود ديوان ولي العهد. لكن هذه “الدلالة” مرهونة بأن لا يكون لدى الملك ووزيره خطط رديفة لوضع العراقيل. حيث لا يمكن قراءة مواقف “الفاتح” وتيارات (الإخوان المسلمين) و(السلف) الأخيرة إلا باعتبارها الخطاب (الرديف) لإرادة الديوان الملكي.

على الأرض، اختبار “الانتصار” الكبير لم ينجح فيه أحد، فلا قوى المعارضة المتشددة نجحت في تنفيذ “مانشيتات” الدوار الداعية إلى إسقاط الحكم، ولا القوى المتشددة في الأسرة الحاكمة نجحت في تنفيذ تعهداتها بالإجهاز على المعارضة. المحصلة: لدينا نظام قوي وعنيف، ولدينا أيضا، معارضة متشبثة بمطالبها وصلبة. وليس ثمة من خيار حقيقي لإنهاء الأزمة سوى أن يقتسم الطرفان البلاد، باشتراط أن تكون “أسس” الاقتسام والمعايشة واضحة ونافذة. وبما ينهي الحاجة إلى 14 فبراير أو 16 مارس جديدين.

ليس ثمة ما يكفي من “الوقت” أمام الاستحقاق النيابي أواخر العام. وضياع “التسوية” سيعني فشل الانتخابات واستمرار الأزمة، وربما استفحالها. يضاف لذلك أن الوضع الإقليمي لا يسير على ما يشتهي النظام، أو حليفه الإستراتيجي في المنطقة.

وإذا كانت المعارضة البحرينية “مجبرة” على أن تدخل مفاوضاتها مع مؤسسة الحكم بمعية تنازلات (مؤلمة) فيما يتعلق ببنود وثيقة المنامة، فإن عليها أن تتأكد أن النظام أيضاً سيقدم تنازلات مؤلمة. وخلاف ما تحمله غالبية خطابات المعارضة اليوم، فإن عليها أن لا (تستحي) أو أن (تتمنع) عن التفاوض الصريح تحت عنوان “المحاصصة”، سواء أكانت هذه (المحاصصة) تحت عنوان “سياسي” (موالاة/ معارضة) أو “طائفية” (سنة/شيعة)، فكلاهما سيان.

المحاصصة وهي آلية قديمة في طي النزاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية اعتمدتها كثير من الدول لوقاية تجاربها من شبح التمزق والتقسيم، عنوانٌ يجب أن لا تتعامل معه المعارضة بحساسية، أو باعتبارها تشويها لمطالبها السياسية. فكلنا يدرك أن سياسات التمييز الطائفي كانت تأسيساً للشرارة التي أطلقت الحراك في 14 فبراير. بعد سلسلة من الانكسارات المتتابعة، والتي كان من أهمها: تقرير البندر.

يضاف لذلك، إن فهم النظام (القبلي/ الطائفي) القائم في البحرين لشعار (لا للمحاصصة) لا يزيد عن أنه تفويض مفتوح للنظام للإبقاء على سياساته الطائفية فاعلة. والخبرات السابقة في هذا (التوظيف) حاضرة، وشواهدها حية، وماثلة.

فعلياً، كل ما يمكن أن تتحصل عليه المعارضة من نصوص دستورية وقانونية وتعهدات لضمان تحقيق مطالبها لا قيمة له؛ فنصوص دستور 2002 والقوانين المحلية في البلاد لم تمنع مؤسسة الحكم من ممارسة انتهاكاتها والاستمرار في سياسات التمييز الطائفي تحت عنوان “لا محاصصة”، وهو ما كلف الطائفة الشيعية خسارة حتى ذلك “القليل” الذي كانت تستحوذ عليه من وزارات الدولة ومؤسساتها، وهو خطأ يجب أن لا يتكرر.

إن ضمان نفاذية نصوص الدستور وأحكام القانون في البحرين هو حجر الزاوية في أي تسوية سياسية مقبلة، فجميع انتهاكات النظام منذ بدء الأزمة كانت ولا تزال مُجرَمَة بحسب الدستور والقوانين المحلية. وإن ما جعل النظام في حلٍ من الالتزام بها وفي مأمن من المحاسبة على انتهاكاته هو (انتفاء) حالة (المحاصصة) في الدولة – خصوصاً في المؤسسات الأمنية والعسكرية والإعلام – هو ما أتاح للسلطة الحاكمة تنفيذ انقلابها في 16 مارس 2011.

وحدها (المحاصصة) – التي تنفر منها أدبيات المعارضة – من تستطيع توفير الضمانات الحقيقية لتكون الحكومة (منتخبة وممثلة لجميع الشرائح المجتمعية)، وليكون لكل مواطن (صوت مسموع وفاعل)، وليكون البرلمان (كامل الصلاحيات)، وليكون القضاء (عادلاً)، وليكون الأمن (للجميع).

خلاف ذلك، تستطيع مؤسسة الحكم أن تقدم للمعارضة من الدساتير والمواثيق ما تريد، وإن تنقلب عليها متى تريد.

المحاصصة لا تخيف، وهي في قاموس جميع اللغات “لا تتعدى كونها عملية تقسيم الكل إلى مكوناته حسب الاستحقاق الكمي للأطراف المشاركة فيه”(1). وعسى أن تكرهوا شيئاً، وهو خيرٌ لكم ! 

هوامش

(1) مهران موشيخ – مقالة: مفهوم المحاصصة في القاموس السياسي العراقي المعاصر.

 

لقراءة المقال على موقع مرآة البحرين إتبع هذا الرابط

http://bhmirror.no-ip.biz/news/13020.html 

خالد الشيخ .. الفتى الهارب من السياسة

26 أكتوبر

 

Image 

إذا كان ثمة لا يزال “مكان آمن للحب” فلا بد من وجود ذلك الإنسان القادر على صناعة “الحب” فيه. ماذا لو وجدنا في مكان ما أرضا صالحة للحب؟ ترى هل تكتمل دورة الحب؟ إن وجود مكان للحب دون ان يكون الإنسان/ خالد الشيخ فيه، هو أبعد عن أن يكون مكانا آمنا للحب.

لا يبدو خالد الشيخ في مأمن، هناك في مكانه الذي يعتصم فيه عن الناس. أين يعيش خالد الشيخ اليوم؟ الأرض ليست أرضه، الزمان خارج حدود احتماله. مبعد في الأرض يهيم ما بين كلمات الشعراء وألحانه. لكن الذي يجعله حيا إلى الآن مقاوما للموت هو أنه مكتمل في فضاء عالمه الناقص!

وأن يكتمل المرء في عالمه الناقص هو أفضل ما يستطيع أن ينتهي عنده، ليبقى.

أعطى خالد الشيخ للبحرينيين الكثير، لكنه لم ينل منهم ما يستحق، لا يزال هذا الفنان الرقم الصعب، المكان الذي كلما احاطت بنا طيور الظلام أتيناه لنسأل عن الفرحة.

لا يستطيع أحدٌ أن يصنع ما يصنعه خالد الشيخ فينا، ولا أحد يمتلك القدرة على أن يجعل “الكلام المغنى” خارطتنا الجديدة للحب، كما يفعل.

على أي حال، هي أشبه بالعادة أن يتحول الساسة والصحافيون – المثخنون بالجراحات- إلى الشعر والموسيقى. لكن في العودة لخالد الشيخ سر أخر.

من يكون خالد الشيخ لو كان رجل سياسة؟ درس الشيخ “السياسة” في الكويت، وهجرها في سنته الثالثة العام 1975 ليلتحق بالمعهد العالي للموسيقى (القاهرة) ودرس التأليف الموسيقي حتى العام 1979. هذا الإنتقال لم يكن إنتقالا قطعياً، فمواقف خالد السياسية في أغانيه تدل على انه لم يهجر صفوف جامعته الأولى، قد يكون خالد الشيخ قد إختار ان يستريح من التورط في السياسة بما تحتويه من فظاظة لا تليق بإنسانيته المرهفة، لكنه لا يزال عالقا فيها، كما لا نزال نحن عالقين فيه. 

هل إنتهى زمن البحراني المزارع؟

25 سبتمبر

Image

عادل مرزوق

 

مؤلمة هي تفاصيل وصفحات الأرشيف البريطاني عن البحرين. ذلك الأرشيف المغيب عن ذاكرة هذا الجيل[i]. ويتطلب الخوض في تفاصيل هذا الأرشيف القدرة على ضبط النفس، والحرص على أن لا ينزاح القارئ/ الباحث/ الصحافي للإنفعال في الكتابة أو التحليل، أو أن يبادر السياسي إلى إطلاق مواقف إنفعالية أو متسرعة.

استعرض اليوم وثيقة من أهم الوثائق التي أتيح لي الإطلاع عليها، وتتبع تفاصيلها والأسماء الورادة فيها، وهي رسالة الميجر كلايف كيركباتريك ديلي المعتمد السياسي البريطاني في البحرين إلى الكولونيل آرثر بريسكوت ترذر المقيم السياسي في بوشهر، المؤرخة في 20 سبتمبر العام 1923م.

يتعلق مضمون الرسالة بقيام الشيخ خالد بن علي آل خليفة[ii] وأولاده (علي وسلمان وعبدالرزاق)، وبمعاونة كل من (حمود بن أجويد وناصر الفردان) بالهجوم على جزيرة سترة. حيث قتل المهاجمون “رجلاً نقل جسده إلى مستشفى المعتمدية، وهرب القرويون الى المزارع المجاورة ونهبت بيوتهم”[iii]

ويُبرر المعتمد السياسي حادثة القتل بالعثور على أحد الجمال التي تخص الشيخ خالد بن علي آل خليفة مجروحاً في سترة، ويضيف: “عندما سمع الشيخ خالد بذلك، قال: يجب قتل بحراني لذلك”!.

وفيما يبدي المعتمد السياسي أسفه للحادثة، يؤكد على أن الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين آنذاك (توفي العام 1942) لم يبذل أي جهد لإعتقال المتهمين في حادثة القتل من العائلة الحاكمة، ويضيف: “رأيت الشيخ حمد هذا الصباح ولم يستجب المتهمون للإحضارية. وكما هي عادته، فقد كان مشغولاً بإرسال رسائل مطمئنة لهم. بينما كانوا يساومون ويطالبون بإحالة القضية ليد القاضي السني”!.

العدالة المنقوصة مدعاة للظلم

بعد ضغوط المعتمد والإحتجاجات الشعبية، عقدت محاكمة للمهاجمين خلصت في نتائجها إلى “الحكم على الشيخ خالد بن علي آل خليفة بتسليم مبلغ ٢٠٠٠ روبية كتعويض لعائلة القتيل ومصادرة جميع أملاكه في سترة لتنقل إلى الحكومة، وبمنعه من دخول سترة والرفاع مدى الحياة. كما حكم على إبنه علي بن خالد بالنفي النهائي من البحرين، وعلى كل من سلمان وعبدالرزاق بالنفي لمدة عام، وعلى كل من: حمود بن أجويد وناصر الفردان بالسجن لثلاث سنوات”.

بعد 3 أشهر، وتحديداً في 8 من يناير 1924م، عاد المعتمد السياسي في البحرين إلى إرسال رسالة أخرى إلى المقيم السياسي في بوشهر ليعلمه بشكوى جديدة تقدم بها هذه المرة عمدة سترة الحاج مرزوق[iv]، وتؤكد الشكوى هجوما جديداً شنه رجال مسلحون من الرفاع حيث “يعيش الشيخ خالد وابنه الأكبر إبراهيم الذين أحاطوا بقرية واديان، وقاموا بإطلاق الرصاص على القرية واقتحموا عدداً من الأكواخ. وقتلوا شخصين، رجلاً وامرأة وجرحوا خمسة أخرين، من ضمنهم امرأتان بجروح خطيرة”. ويؤكد الميجر ديلي في رسالته أن عدة أشخاص “رأوا إبراهيم بن خالد مع المهاجمين”. ويضيف: “كما هو الحال في القضايا السابقة فإن الشيخ إبراهيم سيكون قادراً أن يأتي بشواهد لا عد لها على أنه لم يترك بيته أبداً “!.

ثنائية “الشيخ” و”البحراني”

اليوم، وبعد 90 عاماً من تاريخ الوثيقتين البريطانيتين يكاد المشهد في البحرين لا يختلف كثيراً: نفوذ العائلة الحاكمة، القتل، الإعتقالات، سياسات التمييز الطائفي، والقضاء المسيس الأحكام لصالح الأقلية السياسية المتمثلة في الأسرة الحاكمة والقبائل الموالية لها.

نعم، قد يكون ما بين العام 1923م والعام 2013م الكثير من الحوادث والمحطات والحركات الوطنية والمطلبية والمتغيرات الإقليمية التي عصفت بالبحرين. قد يكون هيكل الدولة اليوم أكثر تنظيماً تحت دستور 2002 وهو الدستور الثاني منذ الإستقلال، كما أن هناك مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية بحسب الدستور. لكنها، مجرد هياكل صورية ظهرت حقيقتها وبانت هشاشتها مع إعلان الملك حمد بن عيسى آل خليفة لحالة السلامة الوطنية (حالة الطوارئ) في 15 مارس العام 2011. وقتها تحديداً، كشفت الدولة – سلطة سياسية، دستوراً، ومؤسسات – عن الحقيقة، وهي أن شيئاً لم يتغير، وأن الدولة المدنية المفترضة، والمؤسسات القائمة، والقضاء بمبانيه وقوانينه ورجالاته، كلها قشور “حضارة”، لا قيمة لها او تأثير في فهم/ إدراك/ إدارة القبيلة لهذه البلاد التي هي في فهم القبيلة ليست أكثر من غنيمة حرب!

وحدهم أبطال القصة ما بين العامين 1923 و2013 وعلى مدى 90 عاماً من بقو محتفظين بالأدوار ذاتها، دون تغيير، “الشيخ[v]” و”البحراني”[vi]، الجلاد والضحية.

الشيخ الذي كان ولا يزال يمسك بزمام السلطة والحكم في البحرين، والذي تجلى قبل 90 عاماً في الشيخ خالد بن علي آل خليفة الأخ الشقيق لحاكم البحرين عيسى بن علي آل خليفة، أو كما يتجلى اليوم في أحفاده من (الخوالد)، كوزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة، وأخيه القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين المشير خليفة بن أحمد آل خليفة. واللذان هما أحفاد سلمان بن خالد بن علي آل خليفة الذي شارك في الهجوم على سترة العام 1923.  

كذلك هو “البحراني” بقى ليلعب دور الضحية في الفترتين. تجلى في أولئك المواطنين من جزيرة سترة الذين قتلوا على يد الشيخ خالد بن علي آل خليفة وأولاده وأعوانه قبل 90 عاماً، والذي يتجلى اليوم – بشكل أكثر فضاعة وقسوة – في أكثر من 100 مواطن قتلوا منذ بدء الأحداث الإحتجاجية في فبراير 2011 أو ضمن أكثر من 2000 معتقل سياسي تمتلئ بهم السجون البحرينية اليوم.

تشير التعابير الواردة في رسالتي المعتمد السياسي إلى عديد التماثلات بين الفترتين. ليس أقلها رواج سياسة الإفلات من العقاب بالنسبة لكبار أفراد العائلة الحاكمة/ المسؤولين في الدولة، وذلك حين يؤكد المعتمد السياسي أن الشيخ حمد بن عيسى حاكم البحرين آنذاك كان “مشغولاً بإرسال رسائل مطمئنة” للشيخ خالد بن علي آل خليفة وأولاده. وهو موقف يتكرر اليوم من خلال كلمات رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة في لدى زيارته الضابط مبارك بن حويل، المتهم بالمسؤولية عن تعذيب الأطباء المعتقلين العام 2011 إذ يقول: “القانون لا يطبق عليكم، وإذا طبق عليكم، فسيطبق علينا”![vii]

وتظهر في الوثيقتين أيضاً، دلائل فساد الجهاز القضائي، حيث لعبت سياسيات التمييز الطائفي في تعيين القضاة دورها في تأصيل ثقافة الإفلات من العقاب عبر ضمان السيطرة على المؤسسة القضائية وتوجيه أحكامها سياسياً. وهو ما كان المعتمد السياسي واضحاً فيه حين يقول في الوثيقة الأولى: “كانوا يساومون ويطالبون بإحالة القضية ليد القاضي السني”، ويضيف في الوثيقة الثانية:”فإن الشيخ إبراهيم سيكون قادراً أن يأتي بشواهد لا عد لها على أنه لم يترك بيته أبداً!”. واقع تدل عليه اليوم عشرات المواقف والتقارير الدولية التي خلصت إلى أن المحاكمات القضائية في البحرين اليوم ليست أكثر من محاكمات سياسية لم تلتزم أياً من المعايير الدولية، بل هي متورطة في التستر على إنتهاكات حقوق الإنسان في البلاد[viii],

الكراهية والإحتقار والإنتقام

ويورد الميجر ديلي في الوثيقة الثانية نصاً هو الآخر جدير بالتوقف والملاحظة والتدقيق، حيث يقول:”إن الجريمة بدون شك جريمة سياسية لاستفزاز البحارنة الذين أدلوا بشهادات في الجرائم السابقة”. وكان ديلي في الوثيقة الأولى قد أشار بوضوح إلى أن سياسات الحكم في حماية القتلة كانت السبب الرئيسي في تزايد حالات القتل بين المواطنين من الطائفة الشيعية: يقول المعتمد السياسي:”إن عدم فرض عقوبة على شيخ الدواسر في قضية عالي … وحقيقة عدم فرض أي عقوبة لمقتل بحرانيين مؤخراً قد شجعت أفراد آل خليفة على اتخاذ هذا الخط”.

هذه السياسات التي لا تزال فاعلة حتى اليوم، كانت سياساتها ونتائجها جلية خلال العامين الماضيين عبر إستمرار سياسات القتل والقمع والإستهداف وإعمال سياسات التمييز في البلاد. حيث إستمرت سياسات “الحكم” في حماية كبار المسؤولين في الدولة بل وتكريم العديد منهم بعد إقالتهم إثر صدور تقرير بسيوني في 23 نوفمبر العام 2011. ولا ننسى الإشارة إلى تعبير دقيق إستخدمه رئيس اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق محمود شريف بسيوني في كلمته أمام ملك البحرين حين قال: “إن حجم  وطبيعة سوء المعاملة  النفسي والبدني، يدل على ممارسة متعمدة كانت تستهدف، في بعض الحالات، انتزاع  اعترافات وإفادات بالإكراه، بينما تستهدف في حالات أخرى العقاب والانتقام”[ix].

مزارعون لا يفقهون الحرب

تجرع البحرينيون منذ عهد الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة “الفاتح” – 1782 – 1795- إلى اليوم، عقوداً من الظلم والإضطهاد السياسي. ولم تستطع الغالبية الشعبية في البلاد أن تتتحول لغالبية سياسية فاعلة، أو أن تدافع عن مصالحها الإقتصادية والإجتماعية لأسباب عدة، وهي أسباب يطول سبرها، شرح ظروفها، وتحديد المسؤوليات التاريخية فيها. وإذا كان قدر وواجب وخيار العائلة الحاكمة في البحرين كان على الدوام هو الدفاع عما إعتبروه ملكاً وغنيمة، وهو سلوك تاريخي/ طبيعي لأي مشيخة قامت في هذه المنطقة أو غيرها، فإن ذلك لا يعني البتة، أن مسؤولية الغالبية الشعبية في البلاد كانت القبول بذلك، والرضوخ له.

سأستعير من أحد الأكاديميين السعوديين المرموقين تعبير “المزارع” لتوصيف البحريني/البحراني العام 1923م، بل وبما يشمل المرحلة التي سبقت تأسيس حكم عائلة آل خليفة في البحرين العام 1783م. حيث شهدت البحرين صراعات عديدة، داخلية تارة بين قبيلة آل خليفة (صراعات الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وبن إخيه محمد بن خليفة آل خليفة مثالاً)، ومع قوى محلية وإقليمية (آل ثاني وآل بن علي في قطر/ ال سعود في الجزيرة العربية مثالاً) تارة أخرى.    

يمكننا إعتبار زمن البحراني “المزارع” زمن البقاء في هامش موضوعة الحكم/ هامش السياسة/ هامش صناعة المشهد السياسي والشراكة الحقيقية والفاعلة فيه/ هامش التاريخ، وهو بالمناسبة توصيف أطلقه أحد رجالات القبائل الغازية من نجد لتوصيف سكان شرقي السعودية (القطيف والأحساء) إذ لم يكن سكان هذه المناطق يظهرون أي مقاومة حقيقية لسيطرة القبائل الغازية على مناطقهم ومزارعهم. كانوا بحسب توصيف ذلك القائد: “مزارعون بسطاء، لا يفقهون في الحرب شيئاً”.

90 عاماً مضت و”الشيخ” هو الشيخ، لم يتغير. تبدلت أدوات اللعبة وفضاءاتها، لكنها بقت في مستوى النتائج قارة ومتماثلة. فهل تغير “البحراني” أو قرر “التغيير”. سؤال يحمل في طياته الكثير من التحديات، تحديات لا ترتبط بـ 14 من فبراير العام 2011، بل بما هو أبعد من ذلك بعقود. سؤال كبير، إجابته تكتب الآن: نجاحاً أو فشلاً، فلا حاجة إذن إلى التنجيم بها.

 

الهوامش

[i]  تحمل صفحات الأرشيف البريطاني تفاصيل دقيقة في الحياة السياسية في البحرين، ويعتبر كتاب: “البحرين: قراءة في الوثائق البريطانية 1920 -1971″ للدكتور سعيد الشهابي أحد الإنتاجات الفريدة التي تدارست بعض الوثائق. وتتوارد أنباء عن أن قوى المعارضة تعكف حالياً على الإنتهاء من مشروع ضخم لجمع هذه الوثائق وطباعتها.

[ii]  المقصود هو الشيخ خالد بن علي آل خليفة أخ حاكم البحرين عيسى بن علي آل خليفة، كانت له قوة عسكرية خاصة مكونة من 100 رجل، وله نفوذ واسع في البلاد بعد أن قدم مع اخيه عيسى بعد علي من قطر ليمسك بحكم البحرين بأمر من الحكومة البريطانية. وخالد بن علي هو جد وزير الديوان الملكي الحالي خالد بن أحمد آل خليفة والقائد العام لقوة دفاع البحرين المشير خليفة بن أحمد آل خليفة.

[iii]  اعتذر عن عدم إيراد نصوص الوثائق كاملة، ويمكن الإطلاع على الوثيقة عبر هذا الرابط باللغة العربية، علماً أنها موثقة في الأرشيف البريطاني الخاص بالبحرين من مكتب الهند تحت رقم C118/23/9/19

[iv]  لم تورد الوثيقة الإسم الكامل للحاج مرزوق مكتفية بهذا الإسم.

[v]  “الشيخ” تسمية تطلق على رئيس أو زعيم القبيلة، وهي مأخوذة من “المشيخة” وهي نظام الحكم القبلي الذي كان سائداً في منطقة الخليج العربي قبل الإستقلال. وتعتبر تسمية مشهورة بين أفراد العائلات الحاكمة في المشيخات الخليجية، ولها معان مختلفة إجتماعياً إذ تتصل هذه التسمية أيضا برجل الدين الذي يطلق عليه “الشيخ”.

 [vi] البحراني” هي النسبة اللغوية الأصح لسكان جزيرة البحرين عوض نسبة “البحريني”. ولكن لأسباب سياسية وإجتماعية درج اليوم إستخدام نسبة “البحراني” على البحرينيين من الطائفة الشيعية فقط، وتضمر التسمية في المستوى الإجتماعي شيئاً من الإحتقار والدونية.

 [vii] للإطلاع على تصريح رئيس وزراء البحرين إضغط هنا

[viii]  يمكن في هذا الإطار الرجوع لتقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق وكذلك تقارير منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش حول البحرين خلال الأعوام 2011 – 2013.

[ix]  لمراجعة كلمة رئيس اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق د. محمود شريف بسيوني كاملة إضغط هنا

* صحفي بحريني.


المصدر: موقع مرآة البحرين
رابط الموضوع: http://bh-mirror.no-ip.org/news/11337.html

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 35,576 other followers